شيماء الريس تكتب – حياة .. بنات .. طاقات نور (٣)

أحيانا نبحث عن الأشياء في أماكن من المستحيل أن نجدها فيها، ولأن معظمنا لا يحب أن يشعر بالفشل فأننا نصبر انفسنا بما وجدنا، ظنا منا انه كافي لإشباع رغباتنا. نصنع أبطالا من ورق، ونعبد آلهة من طين، ندافع عن قضايا بأشخاص مشبوهون فتسقط قضايا الحق بسبب بطلان ممثليها. نبحث عن قلوب عظيمة، نبحث عن شخصيات تستحق الاهتمام، فنبحث في أماكن عظيمة وبمن يستحقون الاهتمام، فيخيب ظننا ونتحايل على خيبتنا بالاقتناع بأن من وجدناهم عظام .
الأشياء العظيمة كالأشخاص لن تجدهم على السطح، لن تجدهم بسهولة، عليك أن تبحث عميقا لتراهم .. لطالما تعثرت في شخصيات مخيفه، شر صرف، خباثة التصرف ووقاحة الكذب وحب الأذى “خصوصا في نساء” وقلما وجدت بعد تنقيب شخصية طاهرة، وعقل صاف، وقلب نقي، في عملي القديم وجدت أحداهن من وسط عشرات من القلوب ، وفى عملي الحالي وجدت أحداهن، تدعى “حياة”.

حكاية حياة

حياة، فتاة في بداية العقد الثاني ، تحمل ملامح مصرية صافية، لها من الضحكة براءة ووضوح كما لها مع من لا تتفق معه عبوس ونفور، أخت كبرى لثلاث، توفت والدتها رحمة الله عليها منذ عام وبضعه اشهر ، وبقى والدها رجلا يكافح كي يبقى حيا ، وأصبحت هي وتد لخيمه تحمي حياتهم كلهم. “كيف عبثا أشاحت غيوما أحاطت بأسوار قلبها كأنها تبعثر بضع قطرات غبار بأطراف ثيابها غير عابئة ، كيف بتلك البساطة انشقت غيومها وأزاحت لخطواتها طريقا وسط الأحزان “!؟ خمرية، تتمايل بجسد مصري معبق بالطيبة ودفء البساطة، تستعد للجواز بحرب راديكالية مع الأسعار وسوء الأوضاع الاقتصادية والزمن، لها أخت لها تمتلك من العمر فقط ستة أعوام، واثنان آخرون، تحمل عبء آبا أتعبه الزمن واعياه فوق عبء منزل كامل بمتطلباته.
وفوق كل هذا مازالت تدرس في عامها الأخير من الجامعة، تعمل ثماني ساعات في اليوم، عمل مرهق وأجرا مضنى، لكنه ضروري لتستطع الحياه وسط كل هذه الغوغاء .. غوغاء الحياة التي ما تركت لحياة ساعه للرفاهية، أو للمتعة، لم تترك لها سبيلا للاسترخاء ، سنوات مرض أمها التي رأتها تذبل كزهرة أهملها الكل ، توفت أمها وهى فقط في الأربعينات وليس لمرض يقتل سوى الزمن الذي يقتل براعم الأزهار، يهرسها تحت عجلات الفقر والإرهاق والغُلب، الغُلب ليس الفلوس فقط ولكن أن تستسلم وتعلنها ” غُلب حماري “.
محن الحياه التي تختبر مدى صلابتنا ولا تكف عنا حتى وان رفعنا الراية البيضاء . حياة بطلة من أبطال الحياة ومن المقاتلين الصامتين في تلك البلدة الظالم أهلها، لأنها لا تقف فقط أمام المهالك الاقتصادية مكافحة تؤمن بالبساطة نهجا رغم صعوبات الأمل ، لكن لأن كثيرا من عاهات وتقاليد المجتمع زادت حياتها تعقيدا، يكفي أن خشية كلام الناس وبراعة التحوير رفضت ذكر اسمها الحقيقي، رغم أن صلابة موقفها في مواجهة أيامها اكثر من رجالا تصلبهم الحياه ببعض ما اختبرتها به يهرعون هاربون من المسؤولية، إلا إنها صامده و مازالت ببساطه تتحرك، من العمل للجامعة ومنهم للمنزل وقضاء متطلبات أختها الصغيرة، ثم خطيبها الذي يجري بدوره أمام تروس الدولة خشية الإملاق، تحمل عبء نفسها كاملا وفوقه منزل وأخوات وصغيره تكثر همومها و وفوق كل هذا عبء عادات ومجتمع ينقصه العقل وهى فقط ابنة العشرون، أليست تلك بطله تستحق الدعم ؟ أدعم حق حياة في الحياة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *